معالم وآثار

أَسْمَاءُ المَدِينة المُنَوَّرة عَلى سَاكِنها أَزْكَى الصَّلاة وَالسَّلام
أَسْمَاءُ المَدِينة  المُنَوَّرة عَلى سَاكِنها أَزْكَى الصَّلاة وَالسَّلام

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه

 

 

 

بقلم: د. محمد بن علي إِليُولُو الجزولي

ـ باحث بمركز ابن القطان ـ

 

الحمْد لله الذي فضَّل المدِينة النَّبوية على سَائر البِقاع، وجَعلها دارًا وقرارًا لنبيه المُطَاع، جَلَّت عَن الوَصْف محَاسِنُها، وتَبَارت الأَقْلام في بَيان معَانيها، فهي الطَّيبة المُطيَّبة، وعَاصمة الإسلام الأولى، ومتبوأ الهدى ودار الإيمان والتُّقى، منها فُجِّرت ينابيع الحِكمة، وفي معاهدها تأسَّست علوم الشريعة.

طَابَتْ بِهِ طَيْبَةُ مِنْ بَعْدِ الرَّدَى *** أَشْرَقَ مَا قَدْ كَانَ مِنْهَا أَسْوَدَا([1]) 

 طَيْبةُ التي فيها مسْجد الرَّسول ﷺ الذي كان جبريل عليه السلام يتنزل عليه فيها بالوحي بالهدى والإيمان، طيبة التي كانت تشهد اتصال السماء بالأرض، فتعلوا بالنفوس من درك الأرض إلى علياء السماء نورا، وعلما، وبناء وحضارة، نورا أضاء الجزيرة العربية، وأضاء قصور بصرى الشام، وأضاء المدائن، وامتد إلى الصين شرقًا، وإلى الأندلس غربًا، ولولا المدينة المنورة لما كانت بغداد ولا علومها ولا ثقافاتها التي نورت العالم آنذاك، منها انبعثت مبادئ الإسلام إلى الناس كافة، وتحت رايتها توحدت الجزيرة العربية لأول مرَّة في التاريخ، وانضوت تحت لوائها كل من مصر، والشام، والعراق، وفارس، لتصبح القبائل العربية أمة تحقق على يديها وعد الله عزو جل، فكانت جديرة بحمل هذا المجد المتألق جيلًا بعد جيل.

لقد جمعت طيبة من صنوف الخيرات والبركات أعلاها: من حسن مسكنها، ونقاء هوائها، وطيب تربتها، وثمارها،  مع بركتها ومحبة النبي ﷺ لها، وسكنه، ووفاته بها، صلوات ربي وسلامه عليه.

ولهذا فقد اهتبل المؤرخون واعتنوا بجمع أسمائها، وتفاوتوا في عددها بين مقل ومكثر، وممن كتب في أسمائها:

1 ـ ابن زبالة المتوفى عام (199هـ) في كتابه (أخبار المدينة) حيث أورد فيه: عنوانا باسم: أسماء المدينة، ذكر فيه إحدى عشر(11) اسما للمدينة([2]).

2- والزركشي المتوفى عام (794هـ) في كتابه:  (إعلام الساجد بأحكام المساجد)  ذكربابا سماه : (ذكر أسمائه) أورد فيه ستة وعشرين (26) اسما للمدينة([3]).

3- والفيروزآبادي المتوفى عام (817هـ) في كتابه: (المغانم المطابة في معالم طابة) جعل للمدينة خمسة وستين  (65) اسما ([4]).

4 - والسمهودي المتوفى عام (911هـ) في كتابه النفيس: (وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى) ذكر فيه أربعة وتسعين (94) اسما للمدينة، وعقد لها بابا في أول كتابه بعنوان: في أسماء هذه البلدة الشريفة، وقال: «اعلم أن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى، ولم أر أكثر من أسماء هذه البلدة الشريفة، وقد استقصيتها بحسب القدرة، حتى إني زدت على شيخ مشايخنا المجد الشيرازي اللغوي – وهو أعظم الناس في هذا الباب – نحو ثلاثين اسما"([5])، ورتبها على حروف المعجم.

5 أما الصالحي الشامي (942هـ) فهو أوعبهم في ذلك، حيث عقد  في كتابه (سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد) بابا سماه: (في أسماء المدينة مرتبة على حروف المعجم) ذكر فيه خمسة وتسعين(95) اسما للمدينة([6]).

ولهذا سأورد في هذا البحث أسماء المدينة كما جاءت عند الصالحي رحمه الله مع تهذيب واختصار:

1- «أثرب» :  بالفتح، وإسكان المثلثة، وكسر الراء، فموحدة، لغة في يثرب، اسم مَن سَكَنها أولا،..وورد النهي عن تسميتها بذلك كما سيأتي.

2- «أرض الله» : لقوله تعالى: (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها) [النساء: 97] .

3- «أَرْضُ الهِجْرَة» :

4- «أكّالة البُلْدَان» :لتسلطها على جميع الأمصار، وارتفاعها على سائر بلدان الأقطار، وافتتاحها منها على أيدي أهلها، فغنموها، وأكلوها.

5- «أكّالة القرى» :لحديث «أمرت بقرية تأكل القرى» ([7]).

6 - «الإيمان» : لقوله تعالى في الأنصار: (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ) [الحشر: 9].

7- «البارّة» :بتشديد الراء.

8- «البرّة» :بالتشديد أيضا لكثرة برّها لأهلها خصوصا، ولجميع العالم عموما؛ لأنها منبع الفيض والبركات.

9- البَحْرة» :بالفتح وسكون المهملة.

10- «البحيرة» :تصغير ما قبله.

11- «البَحِيرة» :بالفتح والكسر..والاستبحار السعة لأنها بمتّسع من الأرض.

12- «البَلاط» :بفتح الموحدة.. وهو لغة: الحجارة المفروشة التي تفرش على الأرض، والأرض المفروش بها، والمستوية الملساء فكأنها سمّيت به لكثرته فيها، أو لاشتمالها على موضع تعرف به.

13- «البلد» : قال تعالى: (لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ) [البلد: 1] : قيل: المدينة وقيل: مكة ورجّحه القاضي، لكن السورة مكية والبلد لغة صدر القرى. قال الواسطي فيما نقله عن القاضي: «أي يحلف لك ربّك بهذا البلد الذي شرّفته بمكانك فيه حيّا وببركتك ميتا» ([8])، يعني المدينة.

14- «بلد رسول الله».

15- «بيت رسول الله»:قال تعالى: (كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ) [الأنفال: 5]: أي من المدينة لاختصاصها به اختصاص البيت بساكنه، أو المراد: بيته بها.

16- «تندد» :بمثناة فوقية فنون وإهمال الدّالين، كجعفر.

17- «تندر» : براء بدل الدال الأخيرة مما قبله كما سيأتي في «يندر» بالتحتية.

18- «الجابرة» : ذكر في حديث للمدينة عشرة أسماء([9])، سميت بها لأنها تجبر الكسير، وتغني الفقير، وتجبر على الإذعان لمطالعة بركاتها، وشهود آياتها؛ ولأنها جبرت البلاد على الإسلام.

19- «جبار» كحذام.

20- «الجبّارة» : نقل عن التوراة.

21- «جزيرة العرب»: لقول بعضهم إنها المرادة من الحديث: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب» ([10]).

22- «الجُنّة الحصينة» : بضم الجيم وهي الوقاية، أخذاً من قوله ﷺ في غزوة أحد: «أنا في جنّة حصينة»([11]).يعني المدينة.

23- «الحبيبة» : لحبه ﷺ لها ودعائه لها.

24- «الحَرم» : بالفتح ، بمعنى الحرام لتحريمها، وفي الحديث: «المدينة حرم»([12])، وفي رواية أنها: «حرم آمن»([13]).

25- «حرم رسول الله» : ﷺ لأنه الذي حرّمها، وفي الحديث: «من أخاف أهل حرمي أخافه الله»([14])، وفي حديث آخر: حرم إبراهيم مكة وحرمي المدينة»([15]) .

26- «حسنة» : بلفظ مقابل السيئة، وقال تعالى: (لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً)[النحل: 41] أي مباءة حسنة وهي المدينة، وقيل: هو اسمها لاشتمالها على الحسن الحسّي والمعنوي.

27- «الخيّرة» : بالتشديد.

28- «الخيَرة» : بالتخفيف تقول: امرأة خيّرة وخيرة بمعنى كثيرة الخير، وإذا أردت التفضيل قلت: فلان خير الناس، وفي الحديث: «والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون» ([16]).

29- «الدّار» : لقوله تعالى:(وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ) [الحشر: 9] على ما سبق في الإيمان سميت به لأمنها والاستقرار بها وجمعها البناء والعرصة.

30- «دار الأبرار» .

31- «دار المختار» : لأنها دار المصطفى المختار والمهاجرين والأنصار، ولأنها تنفي شرارها، ومن أقام بها منهم فليست في الحقيقة له بدار، وربما نقل منها بعد الإقبار.

32 - «دار الإيمان» : روى الطبراني بسند لا بأس به عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «المدينة قبّة الإسلام ودار الإيمان وأرض الهجرة ومبوأ الحلال والحرام»([17]).

33- «دار السّنّة» .

34- «دار السلامة» .

35- «دار الفتح» :

36- «الدّرْع الحصينة» : لحديث أحمد برجال الصحيح: «رأيت كأني في درع حصينة، فأوّلت الدّرع الحصينة المدينة» ([18]).

37- «ذات الحجر» : بضم الحاء المهملة وفتح الجيم لاشتمالها عليها.

38- «ذات الِحرار» : بكسر الحاء وراءين مهملات، جمع حرّة بفتح الحاء وهي الحجارة السّود لكثرتها بها.

39- «ذات النّخل» : لوصفها بذلك..وفي الحديث: «أريت دار هجرتي ذات نخل وحرّة» ([19]).

40- «السّلقة» .. والسلقة بفتح اللام وكسرها إذا السّلق بالتحريك القاع الصفصف والسلاق البليغ، وربما قيل للمرأة السليطة سلقة بالكسر، وسلقت البيض سلقا أغليته بالنار. فسميت المدينة به لاتساعها وتباعد جبالها أو لتسلّطها على البلاد فتحا أو للأوائها وشدّة حرّها وما كان بها من الحمّى.

41- «الشّافية» : لحديث: «ترابها شفاء من كل داء» ، ولما صحّ في غبارها... وسيأتي أنها تنفي الذنوب فتشفي من دائها.

42- «طَابَة» : كشامة، روى مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله تعالى سمّى المدينة طابة» ([20]).

43- «طَيْبَة» : بسكون المثناة التحتية كهيبة وعيبة.

44- «طَيِّبَة» : بتشديد المثناة التحتية.

45- «طَائِب» : ككاتب، وهذه الأربعة مع اسمها المطيّبة أخوات لفظا ومعنى، مختلفات صيغة ومبنى. وفي الحديث: «للمدينة عشرة أسماء هي المدينة وطيبة وطابة»([21]) ، وعن وهب بن منبه: «إن اسمها في كتاب الله- يعني التوراة- طيبة وطابة»([22]). ونقل عن التوراة أيضا تسميتها بالطّيّبة وكذلك المطيّبة. وتسميتها بهذه الأسماء إما من الطّيّب بتشديد المثناة وهو الطاهر لطهارتها من أدناس الشّرك، أو لحلول الطّيّب بها ﷺ، أو لكونها كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها... قال بعض أهل العلم: «وفي طيب ترابها وهوائها دليل شاهد على صحّة هذه التسمية، لأن من أقام بها يجد من تربتها وحيطانها رائحة طيبة لا تكاد توجد في غيرها»([23]) .

46- «طبابا» : ذكره ياقوت وهو بكسر المهملة يعني القطعة المستطيلة من الأرض أو بفتح المعجمة ظبابا من ظبّ، وظبظب إذا حمّ لما كان بها من الحمّى.

47 - «العَاصِمة» : لعصمتها للمهاجرين من المشركين ولأنها الدّرع الحصينة، أو هي بمعنى المعصومة فلا يدخلها الدجال، ولا الطاعون، ومن أرادها بسوء أذابه الله.

48- «العَذْراء» : بالمهملة فالمعجمة، نقل عن التوراة لصعوبتها وامتناعها على الأعداء حتى تسلمها مالكها الحقيقي سيد الأنام ﷺ.

49- «العراء» : بإهمال أوله وثانيه، قال أئمة اللغة: العراء الجارية العذراء كأنها شبّهت بالناقة العراء التي لا سنام لها أو صغر سنامها كصغر نهد العذراء فيجوز أن تكون تسمية المدينة بذلك لعدم ارتفاع أبنيتها في السماء.

50- «العَرُوض» : بعين مهملة فراء فواو فضاد معجمة كصبور وقيل: هو اسم لها ولما حولها لانخفاض مواضع منها ومسايل أودية فيها، أو لأنها من نجد على خط مستقيم طولا، والمدينة معترضة عنها ناحية.

51- «الغرّاء» : بالغين المعجمة تأنيث الأغرّ ذي الغرّة والبياض في مقدّم الوجه، والغرّة أيضا: خيار كل شيء، وغرّة الإنسان: وجهه، والأغرّ: الأبيض من كل شيء.. والرجل الكريم، واليوم الشّديد الحرّ. والغرّاء نبت طيّب الرائحة، والسيدة الكبيرة. فسميت المدينة بذلك لأنها سادت على القرى، وطاب ريحها في الورى، وأكرم أهلها، وكثر غرسها، وابيضّ نورها، وسطع ضياؤها.

52- «غلبة» : محركّة بمعنى الغلب لظهورها على البلاد، وكانت في الجاهلية تدعى «غلبة» : نزلت يهود بها على العماليق فغلبتهم عليها، ونزلت الأوس والخزرج على يهود فغلبوهم عليها، ونزل المهاجرون على الأوس والخزرج فغلبوهم عليها، ونزل الأعاجم على المهاجرين فغلبوهم عليها.

53- «الفَاضحة» : بالفاء، وضاد معجمة، وحاء مهملة، نقل عن كراع: إذ لا يضمر بها أحد عقيدة فاسدة أو يبطن أمرا إلا ظهر عليه وافتضح به، وهو معنى كونها تنفي خبثها.

54- «القَاصمة» : بقاف وصاد مهملة. نقل عن التوراة لقصمها كلّ جبّار عناها، وكسر كل متمرّد أتاها، ومن أرادها بسوء أذابه الله.

55- «قبّة الإسلام» : لحديث «المدينة قبّة الإسلام»([24]) .

56- «قرية الأنصار» : وتقدم الكلام على الأنصار.

57- «قرية رسول الله» ﷺ، لحديث الطبراني برجال ثقات: «ثم يسير- يعني الدّجّال- حتى يأتي المدينة ولا يؤذن له فيها فيقول: هذه قرية ذاك الرجل»([25]) ، يعني النبي ﷺ.

58- «قلب الإيمان» : أورده ابن الجوزي في حديث: «المدينة قبّة الإسلام»([26]).

59- «المؤمنة» : لتصديقها بالله تعالى حقيقة لخلقه قابلية ذلك فيها كما في تسبيح الحصى، أو مجازا لا تصاف أهلها بالإيمان وانتشاره منها واشتمالها على أوصاف المؤمن أو لإدخالها أهلها في الأمن من الأعداء والطاعون والدّجّال. وقد روى في حديث: «والذي نفسي بيده إن تربتها لمؤمنة»([27]) ، وروي في آخر: «إنها لمكتوبة في التوراة مؤمنة»([28]) .

60- «المباركة» : لأن الله تعالى بارك فيها بدعائه ﷺ وحلوله بها.

61- «مبوأ الحلال والحرام»...والتّبوّء التّمكّن والاستقرار، سمّيت به لأنها محلّ تمكن هذين الحكمين واستقرارهما.

62- «مبيّن الحلال والحرام».

63- «المجبورة» : ذكر في الحديث: «للمدينة عشرة أسماء»([29]) ، ونقل عن الكتب المتقدمة، سمّيت به لجبرها بخلاصة الوجود حيّا وميّتا لحثّه على سكناها، بعد نقل حماها وتكرر دعائه لها.

64- «المحبّة»: بضم الميم وبالحاء المهملة وتشديد الموحّدة، نقل عن الكتب المتقدمة.

65- «المحبّبة» : بزيادة موحّدة على ما قبله.

66- «المحبوبة» : نقل عن الكتب المتقدمة أيضا، وهذه ثلاثة مع ما تقدم من اسمها الحبيبة من مادة واحدة، وحبّه ﷺ لها ودعاؤه به معلوم، وحبّه تابع لحبّ ربّه.

67- «المحبورة» : من الحبر وهو السرور، أو من الحبرة بمعنى النعمة أو المبالغة فيما وصف بجميل، والمحبار من الأرض السريعة النّبات الكثيرة الخيرات.

68- «المحرّمة» : لتحريمها.

69- «المحروسة» : لحديث: «المدينة مشتبكة بالملائكة على كل نقب منها ملك يحرسها» ، رواه الجندي([30]).

70- «المحفوفة» : لأنها حفّت بالبركات وملائكة السموات، وفي خبر: «تأتي مكة والمدينة محفوفتان بالملائكة»([31]).

71- «المحفوظة» : لحفظها من الطاعون والدّجّال وغيرهما، وفي خبر: «القرى المحفوظة أربع» ، وذكر المدينة منها.

72- «المختارة» : لأن الله تعالى اختارها للمختار من خلقه في حياته ومماته.

73- «مدخل صدق» : قال الله تعالى: (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً ) [الإسراء 80] فمدخل صدق المدينة كما تقدم.

74- «المدينة» : لتكرره في القرآن ونقل عن التوراة، والمدينة من مدن بالمكان أقام به، أو من دان إذا أطاع، إذ يطاع السلطان بالمدينة لسكناه بها، وهي أبيات كثيرة تجاوز حدّ القرى ولم تبلغ حدّ الأمصار، وقيل: يقال لكل مصر، وتطلق على أماكن كثيرة، ومع ذلك فهو علم للمدينة النبوية، بحيث إذا أطلق لا يتبادر الفهم إلى غيرها، ولا يستعمل فيها إلا المعرفة، أما النّكرة فاسم لكل مدينة، ونسبوا للكل مدينيّ، وللمدينة النبوية مدنيّ للفرق.

75- «مدينة رسول الله» : ﷺ، لقوله في حديث الطبراني: «من أحدث في مدينتي هذه حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا»([32])،فأضافها إليه لسكناه بها، وله ولخلفائه دانت الأمم.

76- «المرحُومة» : نقل عن التوراة، سمّيت به لأنها دار المبعوث رحمة للعالمين وبها تنزل الرحمات.

77- «المرزُوقة» : لأن الله تعالى رزقها أفضل الخلق فسكنها أو المرزوق أهلها.

78- «مسجد الأقصى» : نقله ابن الملقن في الإشارات عن صاحب المطالع.

79- «المسكينة» : نقل عن التوراة، وذكر في حديث: «للمدينة عشرة أسماء» ([33])، وروى الزبير بن بكار عن كعب الأحبار قال: «نجد في كتاب الله تعالى الذي أنزل على موسى إن الله قال للمدينة: يا طَيْبَة يا طابة يا مسكينة لا تقبلي الكنوز أرفع أجاجيرك على أجاجير القُرَى"([34]) ، والأجاجير السطوح، والمسكنة الخضوع، والخشوع خلقه الله فيها، أو هي مسكن الخاشعين والخاضعين.

80- «المسلمة» : كالمؤمنة لخلق الله تعالى، فيها الانقياد والانقطاع له، أو لانقياد أهلها، وفتح بلدهم بالقرآن.

81- «مضجع رسول الله» : كما في الحديث: «المدينة مهاجري ومضجعي في الأرض» ([35]).

82- «المطيّبة» : بضم أوله وفتح ثانية تقدم في طيبة.

83- «المقدّسة» : لتنزهها عن الشّرك وكونها تنفي الذنوب.

84- «المقرّ» : بالقاف كالممرّ من القرار، نقله السيد من بعض كتب اللغة، وفي دعائه ﷺ لها قوله: «اللهم اجعل لنا بها قرارا ورزقا حسنا»([36]).

85- «المكّتان» : قال سعد بن أبي السّرح في حصار عثمان رضي الله عنه: «وأنصارنا بالمكتين قليل» ([37]). وقال نصر بن حجّاج بعد نفيه من المدينة:

فأصبحت منفيا على غير ريبة *** وقد كان لي بالمكّتين مقام([38])

قال السيد: «والظاهر أن المراد المدينة لأن قصة عثمان ونصر بن حجّاج كانتا بها وأطلق ذلك عليها لانتقال أهل مكة أو غالبهم إليها وانضمامهم إلى أهلها» ([39]). أو أنه من قبيل التغليب والمراد مكة والمدينة.

86- «المكينة» : لتمكّنها في المكانة والمنزلة عند الله تعالى.

87- «مهاجر رسول الله» :لقوله «المدينة مهاجري»([40]) .

88- «الموفية» : بتشديد الفاء وتخفيفها لتوفيتها الوافدين حسّا ومعنى، وأهلها الموفون بما عاهدوا الله عليه.

89- «النّاجية» : بالجيم لنجاتها من العتاة، والطاعون، والدّجّال، أو لإسراعها في الخيرات فحازت أشرف المخلوقات ولارتفاع شأنها.

90- «نبلاء» : نقل من كراع، قال السيد: وأظنه بفتح النون وسكون الموحدة مأخوذ من النّبل بالضم والسكون وهو الفضل والنّجابة.

91- «النّحر» : بفتح النون وسكون الحاء المهملة، سميت به إما لشدة حرّها كما يقال: نحر الظهيرة، وإما لإطلاق النّحر على الأصل وهما أساس بلاد الإسلام.

92- «الهذراء» : ذكره ابن النّجّار بدل العذراء نقلا عن التوراة، روي بالذال المعجمة وذلك لشدة حرّها، يقال: يوم هاذر شديد الحرّ، أو لكثرة مياهها وأصوات سوانيها، ويقال هذر في كلامه إذا أكثر، ويحتمل أن يكون بالمهملة من هدر الحمام إذا صوّت، والماء انصبّ وانهمر والعشب طال، وأرض هادرة: كثيرة النبات.

93- «يثرب» : لغة في أثرب وقد تقدم الكلام عليه فيه، وستأتي أحاديث النهي عن تسميتها بذلك.

94- «يندد» : بدالين مهملتين ذكره كراع وهو: إما من النّدّ وهو الطّيب المعروف، أو النّدّ التّلّ المرتفع، أو من النّادّ وهو الرّزق.

95- «يندر» : كحيدر براء بدل الدال الثانية مما قبله، كذا في حديث: «للمدينة عشرة أسماء»([41]) في بعض الكتب، وفي بعضها الآخر بمثناة فوقية ودالين تندد، وفي بعضها كذلك بفوقية ودال وراء تندر، وصوّب المجد اللغوي «يندد» فقط بالتحتية ودالين، وفيه نظر.

فهذا ما تسير لي ذكره من أسماء مدينة الرسول ﷺ كما جاءت في كتب العلماء؛  والمقصد إحياء هيبة هذه المدينة الفاضلة في القلوب المؤمنة، التي شرفها الله تعالى على بقاع الأرض، فأسأل الله تعالى أن يرزقني وكل مسلم زيارتها، وتعفير الأقدام في ثراها، وأن لا يحرمني وإياكم  من الصلاة في رياض مسجدها، وزيارة قبر نبينا صلى الله عليه وسلم.

والصلاة والسلام على النبي المصطفى، والرسول المجتبى، وعلى آله وأصحابه أولي النهى، والحمد لله بدء وانتها.

****************

 

هوامش المقال:

*************

([1])  ـ  ألفية السيرة النبوية المسماة: نظم الدرر السنية في السيرة الزكية للعراقي (ص: 15).

([2])  ـ  أخبار المدينة (ص: 184).

([3])  ـ إعلام الساجد (ص: 232- 235 ).

([4])  ـ المغانم المطابة (ص: 96-139) نسخة فيض الله رقم: 1529.

([5])  ـ وفاء الوفاء (1 /61-92) ط الفرقان.

([6])  ـ سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (3 /414).

([7])  ـ أخرجه البخاري في صححيه في كتاب: الحج، باب: فضل المدينة وأنها تنفي الناس   (1738).

([8])  ـ  وفاء الوفاء (1 /16).

([9])  ـ   تاريخ المدينة لابن شبة (1 /163).

([10])  ـ  رواه البخاري في صحيحه، كتاب: الجهاد والسير ، باب: هل يستشفع إلى أهل الذمة ومعاملتهم (2825).

([11])  ـ  ذكره السيوطي في الدر المنثور (2/ 94)  وعزّاه لعبد بن حميد وابن جرير.

([12])  ـ  أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب:  الحج، باب: حرم المدينة  (1734) .

([13])  ـ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: الحج، باب: الترغيب في سكنى المدينة والصبر على لأوائها (2443) بلفظ: "أهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى المدينة فقال:" إنها حرم آمن ".

([14])  ـ   أخرجه أحمد في المسند (23 /121)( 14818) بلفظ :"من أخاف أهل المدينة، فقد أخاف ما بين جنبي".

([15]) ـ أخرجه البخاري في كتاب: البيوع،  باب: بركة صاع النبي صلى الله عليه وسلم ومده (1985) بلفظ آخر:"أن إبراهيم حرم مكة ودعا لها وحرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة".

([16]) ـ أخرجه البخاري في كتاب: فضائل المدينة، باب: من رغم عن المدينة (1875)، ومسلم في كتاب: الحج، باب: الترغيب في المدينة عند فتح الانصار(496) من حديث سفيان بن أبي زهير رضي الله عنه.

([17])  ـ  أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (5 /380)(5618).

([18])  ـ أخرجه أحمد في مسنده (4 /259)(2445) بلفظ: " ورأيت أني في درع حصينة، فأولتها: المدينة "، وصحح إسناده الحاكم في المستدرك (3 /39) ووافقه الذهبي.

([19]) ـ أخرجه البخاري بنحوه في كتاب:مناقب الأنصار،  باب:هجرة النبي ﷺ وأصحابه (3905) بنحوه من حديث عائشة رضي الله عنها بلفظ: «إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين».

([20])  ـ  أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب:  باب المدينة تنفي شرارها (491).

([21])  ـ  تقدم تخريجه.

([22])  ـ   وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى (1 /20).

([23])  ـ    فتح الباري (5 /188).

([24])  ـ  رواه الطبراني في الكبير (20 /58)، والديلمي في الفردوس(4 /225).  

([25])  ـ  رواه أحمد في المسند (5 /221)، والطبراني في الكبير (7 /84). 

([26])  ـ  تقدم تخريجه.

([27])  ـ ذكره المناوي في فيض القدير (4 /526).  

([28])  ـ  ذكره السمهودي في خلاصة الوفا (1 /29).

([29])  ـ   تقدم تخريجه.

([30]) ـ أخرجه أحمد في المسند (2 /330)، والحاكم في المستدرك(4 /585)، انظر فضائل المدينة للجندي(ص: 30).

([31])  ـ  أخرجه أحمد  في المسند (2/ 483)، والبخاري في التاريخ الكبير (6/ 180)، وقال الهيثمي في المجمع (3 /312):"رجاله ثقات".

([32])  ـ ذكره الهيثمي في المجمع (3/ 310) عن أبي أمامة بن ثعلبة وقال: له في الصحيح حديث في اليمين غير هذا رواه الطبراني في الأوسط.

([33])  ـ   تقدم تخريجه.

([34])  ـ   المصدر السابق.

([35]) ـ أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (20 /205)(470) .

([36])  ـ أخرجه عبد الغني المقدسي في الترغيب في الدعاء(129) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه مرفوعا، وإسناده ضعيف فيه ابن شبيب واه، والعمري: ضعيف، وله شاهد عن عطاء بن أبي رباح بلاغا أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق(823) وفيه الراوي عن عطاء هو طلحة بن عمرو: متروك.

([37])  ـ  الوافي بالوفيات (17 /193).

([38])  ـ   تاريخ المدينة لابن شبة (2 /763).

([39])  ـ   سبل الهدى والرشاد (3 /424).

([40])  ـ تقدم تخريجه.

([41])  ـ   تقدم تخريجه.

*************

جريدة المصادر والمراجع:

 

-أخبار المدينة: لمحمد بن الحسن ابن زبالة، ت: صلاح عبد العزيز زين سلامة، مركز بحوث دراسات المدينة، ط1، 1424هـ/2003م.

-إعلام الساجد بأحكام المساجد: لأبي عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي الشافعي،ت: أبو الوفا مصطفى المراغي، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ط4، 1416 هـ/ 1996م.

-ألفية السيرة النبوية المسماة: نظم الدرر السنية في السيرة الزكية: لزين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي، ت: محمد بن علوي المالكي الحسيني، دار المنهاج بدون تاريخ.

-التاريخ الكبير: للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، دار الكتب العلمية ـ  بيروت ـ بدون تاريخ.

-تاريخ المدينة لابن شبة: لأبي زيد عمر بن شبة (واسمه زيد) بن عبيدة بن ريطة النميري البصري، ت: فهيم محمد شلتوت، طبع على نفقة: السيد حبيب محمود أحمد – جدة، 1399 هـ.

-الترغيب في الدعاء: لأبي محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي،ت: فواز أحمد مرلي، دار ابن حزم، 1416هـ/ 1995م.

-الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله  وسننه وأيامه: لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن بردزبه الجعفي البخاري، ت: محب الدين الخطيب. المطبعة السلفية ـ القاهرة ـ ط1 /1400هـ .

-خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى: لأبي الحسن نور الدين علي بن عبد الله بن أحمد السمهودي الحسني الشافعي، المكتبة العلمية، المدينة المنورة ، 1972م.

-الدر المنثور في التفسير بالمأثور: لجلال الدين السيوطي، ت: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، مركز هجر للبحوث والدراسات العربية والإسلامية، القاهرة، ط1، 1424هـ/2003م.

-سبل الهدى والرشاد، في سيرة خير العباد، وذكر فضائله وأعلام نبوته وأفعاله وأحواله في المبدأ والمعاد: لمحمد بن يوسف الصالحي الشامي، ت: عبد العزيز عبد الحق حلمي، لجنة إحياء التراث بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، مصر، 1418هـ/1997م.

-فتح الباري شرح صحيح البخاري: لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني ، دار الريان للتراث، القاهرة ط2، 1407هـ/1987م.

-الفردوس بمأثور الخطاب:  لأبي شجاع شيرويه بن شهردار بن شيرويه الديلمي الهمذاني الملقب إلكيا، ت: السعيد بن بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، 1406هـ/1986م.

-فضائل المدينة: لأبي سعيد المفضل بن محمد بن إبراهيم بن مفضل بن سعيد بن عامر بن شراحيل الشعبي الكوفي ثم الجندي المقرئ، ت: محمد مطيع الحافظ ، غزوة بدير، دار الفكر، دمشق، ط1، 1407هـ.

-فيض القدير شرح الجامع الصغير للسيوطي: لمحمد عبد الرؤوف المناوي، دار الكتب العلمية بيروت،ط1،  1415 هـ/1994م.

مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: لنور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، دار الفكر، بيروت، 1412هـ.

-المستدرك على الصحيحين: لأبي عبد الله الحاكم النيسابوري، ت: عبد الرحمان مقبل بن هادي الوادعي، دار الحرمين للطباعة والنشر ،القاهرة ط1، 1417هـ /1997م.

-المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله : لمسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، ت: أبو قتيبة نظر محمد الفاريابي، دار طيبة، الرياض، ط1، 1427هـ/2006م.

-المسند: للإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال  الشيباني المروزي، ت: شعيب الأرنؤوط و عادل مرشد. مؤسسة الرسالة ـ بيروت ـ ط1/ 14116هـ ـ 1995م.

-المعجم الأوسط: لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، ت: أبو معاذ طارق بن عوض الله بن محمد و عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني. دار الحرمين ـ القاهرة ـ ط/1415هـ 1995م.

-المعجم الكبير: لأبي القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني، ت: حمدي بن عبد المجيد السلفي، مكتبة العلوم والحكم، الموصل، ط2 ، 1404هـ/ 1983م.

-المغانم المطابة في معالم المدينة: لمحمد بن يعقوب بن محمد للفيروزآبادي مخطوط مكتبة فيض الله أفندي رقم: 1529.

-مكارم الأخلاق: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد إبن أبي الدنيا، ت: محمد بن عبد القادر عطا. دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ ط1 /1409هـ ـ 1989م.

-الوافي بالوفيات: لصلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي، ت: أحمد الأرنؤوط وتركي مصطفى، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط1 /1420هـ ـ 2000م.

-وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى: لأبي الحسن نور الدين علي بن عبد الله بن أحمد السمهودي الحسني الشافعي، ت: د. قاسم السامرائي، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، ط1، 1422هـ/2001م.

* راجعت المقال الباحثة: خديجة ابوري



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا