مقالات

التعريف برسالة: الهجرة النبوية مبدأ التاريخ الإسلامي للعلامة محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي
التعريف برسالة: الهجرة النبوية مبدأ التاريخ الإسلامي للعلامة محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي

الحمد لله رب العالمين

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين

وعلى آله وصحابته الطاهرين

ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

بقلم الباحث: ذ. عبد الفتاح مغفور

      إن للعلامة الحجوي رسائل كثيرة ومختلفة، سواء تعلق الأمر بالفقه، أو الأصول،  أو السيرة،  أو الحديث،  أو التربية،  أو التاريخ، أوغير ذلك من  العلوم، فقد كان  بحرا زاخرا، وطودا  عظيما في جميع العلوم.ومن بينها  هذه الرسالة المسماة: "الهجرة النبوية مبدأ التاريخ الإسلامي"، تناول فيها الهجرة النبوية وتاريخها ومقاصدها، وأهميتها عند المسلمين في أقصـى المشـرق والمغرب،  ونظرا لأهميتها ارتأيت أن أكتب حولها مقالا للتعريف بها، وقسمته إلى قسمين:

أولا: التعريف بالمُؤَلِّف ([1]).

نسبه ومولده.

هو محمد بن الحسن بن العربي بن محمد بن أبي يعزى بن عبد السلام بن الحسن بن محمد-فتحاـ الحجوي الثعالبي الفاسي[2].

ولد بفاس يوم رابع رمضان 1291 عند نداء صلاة الجمعة، الموافق لـ: 22 شتنبر 1874 ، بدار جده بحي جرنيز قرب الحرم الإدريسي[3].

نشأته وتربيته.

نشأ في كنف والديه وتربى تربية متكاملة،  أسهمت فيها جدته لأبيه إسهاما متميزا، سواء من حيث الحنو والعطف، أو من حيث الدين والأخلاق،  وبث روح النشاط المؤدي إلى الإقبال على العلم والتحصيل،  حتى إنه يقول عنها: "فمرآة أخلاقها وأعمالها، في الحقيقة أول مدرسة ثقفت عواطفي، ونفثت في أفكاري روح الدين والفضيلة، فلم أشعر إلا وأنا عاشق مغرم بالجد والنشاط، تارك لسفاسف الصبيان متعود على حفظ الوقت..."

كما أن والده الحسن بن العربي كان له كبير الأثر في تربيته وحياته؛ فيصفه بأنه أول من ألقى دروسا في العقائد مستمدة من القرآن، مع العلم أن الفقه، والتاريخ، والسير ،والشمائل، كان أغلب على ثقافته؛ ويرى المترجم أن هذه الفنون التي تلقاها عن والده هي الجديرة أكثر من سواها بتهذيب أخلاق أبناء المسلمين، ولا تستقيم تربيتهمدونها كيف لا؟ وهي تمثل عقيدة المسلم الصحيحة، وفقه دينه، وسيرة نبيه، وتاريخ أمته.

ويذكر الحجوي أنه استفاد من والده الابتعاد عن خلط العقيدة الإسلامية بالخرافات والأوهام، ودربه على التفرقة بين اليقينيات المعتقدة بالدليل، وبين الظنيات المجتهد فيها استدلالا واستنتاجا، والتي يقابل فيها فكر المخالف بالاحترام والاعتذار، وبين ما هو موهوم يطرح، ولا يفسد به جوهر العقل النقي. كما حذره من تغليب العواطف على المصالح، وكان يحضه على حفظ القرآن، وأشعار العرب وأمثالها، والأحاديث الصحاح، والوقائع والعبر التاريخية، وتطبيقها على الأحوال الوقتية[4] .

دراسته وتحصيله:

      كان للجو الأسري العلمي والتربوي الذي ترعرع فيه الحجوي، كبير الأثر في أن ينطبع في نفسه حب العلم والتعلق بتحصيله والاشتغال به، ولذلك أُدخل الكُتّاب لحفظ القرآن الكريم، وهو ابن سبع سنوات فأتقن الكتابة، والقراءة، والتجويد، والرسم، والحساب، ومبادئ الدين، والعربية، ودروس الأخلاق، وقد مكنه ذلك من حفظ القرآن الكريم، والتفرغ إلى التلقي عن نخبة من أهل العلم مشاهير وأفذاذ[5].

شيوخه:

      وقد ذكر في  "مختصر العروة الوثقى" شيوخه، وبين ما أخذ عنهم من  علوم، أذكر منهم الآتي:

أبو عبد الله محمد بن التهامي الوزاني الأصل الفاسي الديار(ت1311هـ)[6]

 أبو محمد جعفر بن إدريس  الكتاني(ت1323هـ)[7]

أبو عبد الله محمد فتحا بن محمد بن  عبد السلام جنون المستاري(ت1326هـ)[8].

 أبو العباس أحمد بن الخياط الزكاري(ت1343هـ)[9]

أبو العباس أحمد بن الجيلاني(ت1352هـ)[10]

آثاره العلمية:

      خلّف محمد بن الحسن الحجوي آثارا علمية  نحو مائة عنوان[11] تتراوح ما بين الأبحاث، والكتب، والتقاييد، والرسائل، في مواضيع علمية مختلفة منها التام وغير التام، ويرجع أصل تأثره بهذا النو ع من التأليف إلى بعض مشايخه الذين كانوا يكتبون عن كل مذاكرة تجري بينهم في أي مسألة علمية  مثل: شيخه أحمد ابن الخياط (ت1343هـ) الذي كان كلما جرت مذاكرة في مسألة ما، أو وُجه إليه سؤال، أو حرر مبحثا في الدرس إلا وقيَّده وَدوَّن ما تحرر لديه فيه[12], وهو نهج سار عليه الحجوي في كثير من كتاباته غير أنه أجاد وأفاد في أكبر كتبه وهو "الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي" الذي قال عنه مؤلفه: أصله محاضرة ألقيت بفاس في ربيع الآخر 1336، ثم أكملت كتابا ضخما شرّق ذكره وغرَّب[13] .

وقال عنه الأستاذ عبد الله الجراري: "إذ لو لم يكن له غيره لكفاه"[14]

وفاته:

      وافته المنية رحمه الله عشية يوم الأحد فاتح ربيع الأول عام  1376هـ الموافق لـ: .عام,1956م.

التعريف بالرسالة: " الهجرة النبوية مبدأ التاريخ الإسلامي"

      تعد هذه الرسالة من أفضل ما أجادت به بنات أفكار الفقيه الحجوي، لتعلقها بحدث الهجرة النبوية الشريفة، مبدأ للتاريخ الإسلامي، وفتح مبين على الإسلام والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. 

      استهل العلامة الحجوي رحمه الله رسالته:بأن الهجرة إذا وردت علىلسان علماء الحديث والسيرة النبوية تطلق على هجرتين:

الهجرة من مكة إلى الحبشة. 

الهجرة من مكة  إلى المدينة المنورة.

أما الهجرة عندما تطلق  في العرف العام تنصرف إلى الثانية (من مكة إلى المدينة)

وإليها ينسب تاريخ المسلمين العربي (القمري) في أقصى الشرق والغرب.

وأن الهجرة مبدأ تاريخنا من اليوم الذي هجر فيه النبي صلى الله عليه وسلم،  ورفيقه أبو بكر الصديق من مكة إلى المدينة، وهو اليوم السادس عشر من شهر يوليه سنة 622 ميلادية.

      وأن أكثر الأمم القديمة  في المعمورلها تواريخ   تؤرخ بها حفظا للنظام والحقوق، ومعرفة أوقات الوقائع التي لا تتم معرفتها إلا ببيان أوقاتها، فللصين تاريخ، ولليهود تاريخ، وللمسيحيين تاريخ، وللإسلام تاريخ.وكل منهما يجعل أهم حوادثه مبدأ لتاريخه، فالمسيحيون من ولادة المسيح عليه السلام،  والمسلمون من يوم الهجرة النبوية.

      ثم طرح سؤالا:  لأي شيء اختاروا الهجرة دون الولادة النبوية، أو الوفاة، أو غزوة بدر التي بها اعتز الإسلام، أو فتح مكة مثلا؟

     وأجاب عنه رحمه الله بقوله: لم يختاروا الولادة النبوية لأمور:

ـ أن يبتعدوا عن تقليد النصارى، وأن يبتكروا لأنفسهم ما هو كالعُنوان على استقلال الفكر وبعد النظر.

ـ أن يعملوا بمقتضى الإشارة النبوية في الحديث الشريف الصحيح:"لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم"[15]

ـ أن الولادة النبوية مؤرخة بعام الفيل، وفيه اختلاف، ولم تكن الوقائع مضبوطة قبل الإسلام لمكان الجاهلية، وكان عمر رضي الله  عنه يتجنب الجدال، وما فيه اختلاف، ويجب بناء المهمات على اليقين دون الخيال.

      أما الوفاة النبوية فقد كان وقتها محققا مضبوطا، ولكن تجنبوها لأمور:

ـ لعلهم رأو أنها رُزْء عظيم على الإسلام، ورمز للحزن والأسى، فلم يجعلوا تاريخهم منها تناسبا للذكريات الفاجعة.

ـ لم يستحسنوا فصل تاريخهم عن حياة النبي كلها  بل أحبوا أن يكون صدرُ تاريخ  الإسلام حياة زاهرة لنبيه الكريم عليه السلام، وتكون هي تاجا وهاجا فوق رأسه.

ـ عملوا بحديث "لا تطروني" أيضا. وأما وقعة بدر وفتح مكة بأنها مع أهميتها لا تكونان كأهمية الهجرة، بل هي أمور جزئية بالنسبة للهجرة النبوية، وما ظهرت مزيتها إلا بالهجرة النبوية.

ثم قال: نعم اختاروا الهجرة مع ما فيها من الذكريات الفاجعة لأمور سبعة ظهرت له رحمه الله، وهي:

1 ـ يحبون تثبيت هذه  الذكرى الفاجعة في أذهان الأمم  الإسلامية ليعلموا  ما قاساه النبي بنفسه وأصحابه من الشدائد والمصائب وصبروا له حتى نالوا ما يبتغون.

2 ـ  الهجرة كانت أول فتح مبين للاسلام باعتبار عاقبتها...

3 الإسلام له أطوار، الطور الأول كان جنينا في بطن مكة، الثاني خروجه للحياة العامة وانتقاله لطور الظهور للملإ، وهذا الطور بلغه بالهجرة، وبسببها انتشر  في العالم.

4 ـ الهجرة  بها تدرب المسلمون على التضحية بالمال، والأولاد، والنفس، حيث هاجروا ديارهم، وأموالهم، وأزواجهم حبا في مبادئهم.

5 ـ بالهجرة استيقن الرسول من رسوخ إيمان أصحابه، وأنهم صادقون في وعودهم.

6 ـ الهجرة فرقت بين الحق والباطل كما قال عمر؛ إذ بها صار للإسلام صولة، وأمكنه حمل السلاح على أعدائه، وصار مسلحا بعدما كان أعزل.وصار قوة بعدما كان ضعفا.

7 ـ بالهجرة أصبح الإسلام له ذات أحكام عملية فرعية يعدل بها في الأحكام؛ إذ كثر بعدها نزول الأحكام من حرام وحلال، وما نزل قبلها فغالبه في العقائد.

واعتمدت في التعريف بهذه الرسالة على النسخة الموجودة في المكتبة الوطنية بالرباط تحت رقم: 180ح، مقياسها: 23/17.5، بخط مؤلفها، تاريخ تحريرها، 3 محرم 1358هـ.

**************

جريدة المصادر والمراجع:

1- الأعلام، لخيرالدين الزركلي الدمشقي. دارالعلم للملايين. ط15: 2002 م.

2- التأليف ونهضته بالمغرب في القرن العشرين لعبد الله الجراري، مطبعة النجاح الجديدة البيضاء،ط1 1406هـ ـ 1985م.

3- الدراسات القرآنية بالمغرب في القرن الرابع عشر الهجري لإبراهيم الوافي، مطبعة النجاح الجديدة، ط1 (1420 هـ / 1999 م. 

4- صحيح البخاري تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، ط1 1422هـ

5- الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي للحجوي الثعالبي الجعفري الفاسي، دار الكتب العلمية -بيروت-لبنان، 1416هــ 1995م

6- مختصر العروة الوثقى فهرست محمد بن الحسن الحجوي. مطبعة الثقافة سلا المغرب الأقصى، 1357 هـ /1938م.

 

هوامش المقال:

([1])مصادر ترجمته:الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي (1 /10)، مختصـر العروة الوثقى (ص21)، الأعلام (6 /96)، إتحاف المطالع لابن سودة (2 /560)، التأليف ونهضته بالمغرب للجراري (1 /138)

[2]مختصر العروة الوثقى له (ص: 2.)

[3] الفكر السامي (1 /10)

[4]الفكر السامي(1/ 10ـ 11ـ 12ـ 13) بتصرف

[5] انظر الفكر السامي(1/ 13)

[6] مختصر العروة الوثقى له (ص: 04)

[7] مختصر العروة الوثقى له (ص: 04)

[8] مختصر العروة الوثقى له (ص: 04)

[9] مختصر العروة الوثقى له (ص: 04)

[10] مختصر العروة الوثقى له (ص: 04)

[11]ذكر مؤلفاته في خاتمة مختصر العروة الوثقى له (من ص: 70 إلى ص: 78 )

[12] الدراسات القرآنية بالمغرب: ص: 201

[13]انظر الفكر السامي (1 /20)

[14] التأليف ونهضته (ص: 138).

* راجع المقال الباحث: محمد إليولو

[15] أخرجه البخاري في كتاب الجمعة ، باب "باب قوله (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم الآية)، رقم: (3445) (8/552)



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

المصنفات في فضائل المسجد النبوي «جرد بيبلوغرافي

المصنفات في فضائل المسجد النبوي «جرد بيبلوغرافي

اهتم العلماء بالتأليف في فضائل الأمكنة والبقاع، وجمع وإيراد ما ذُكر حولها من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية التي تبين ذلك،  ومن الأمكنة التي خُصَّت فضائلها بالتأليف: فضائل المسجد النبوي، فمنهم من ألف في فضائل المدينة عامة وجعل فضائل المسجد النبوي بابا من أبوابه، ومنهم من ألف في فضائل الحرمين أو فضائل المساجد الثلاثة، وقل حسب علمي من أفرد المسجد النبوي بالتصنيف....

بعض معاني وأهداف الهجرة النبوية

بعض معاني وأهداف الهجرة النبوية

لم تكن هجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في سبيل الله بدعا، بل هي سنة قديمة في حياة الرسل لإيجاد وسط سليم لنشر التوحيد، وتقبله والاستجابة له، والذود عنه، فهذا النبي محمد صلى الله عليه وسلم كان قد هاجر من مسقط رأسه مكة إلى المدينة المنورة من أجل ذات الهدف؛ ذلك أن بقاء النبي صلى الله عليه وسلم في أرض يلقى من أهلها الأذى ويتوعدونه بالقتل...

الهِجْرَةُ وَمَبْدَأُ التَّارِيخ الإِسْلامِي

الهِجْرَةُ وَمَبْدَأُ التَّارِيخ الإِسْلامِي

إن الهجرة مرحلة خطيرة فَارقية في تاريخ المسلمين؛ حيث فرَّقت بين مرحلتين حاسمتين : الجَاهلية والإسلام، فكانت الهجرة بذلك بمثابة وسَام شرف، وتَاج عز للمهاجرين الأولين من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، حيث أكد المولى سبحانه وتعالى هذا الفضل للمهاجرين في عدة آيات من كتابه العزيز، منها قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)